السيد محمد باقر الصدر

363

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

من أصنامها ؛ لأنّ ظاهرة الصنميّة في حياة الإنسان نشأت عن سببين : أحدهما عبوديته للشهوة التي تجعله يتنازل عن حرّيته إلى الصنم الإنساني الذي يقدر على إشباع تلك الشهوة وضمانها له ، والآخر : جهله بما وراء تلك الاقنعة الصنميّة المتألهة من نقاط الضعف والعجز . والإسلام حين حرّر الإنسان من عبودية الشهوة ، وزيّف تلك الاقنعة الخادعة كان طبيعياً أن ينتصر على الصنميّة ويمحو من عقول المسلمين عبودية الأصنام بمختلف أشكالها وألوانها . الحرّية في مجال السلوك العملي : وبعد تحرير الإنسان داخلياً من عبوديات الشهوة وتحريره خارجياً من عبوديات الأصنام ، سواء كان الصنم امّة أم فئة أم فرداً يجيء دور الحرّية في مجال السلوك العملي للفرد ، وهنا يختلف الإسلام عن الحضارات الغربية الحديثة التي لا تضع لهذه الحرية العملية للفرد حداً إلا حرّيات الأفراد الآخرين ، فالإسلام يهتم قبل كل شيء - كما عرفنا - بتحرير السلوك العملي للفرد من عبودية الشهوات أو عبودية الأصنام ويسمح مجال التصرف للفرد كما يشاء ، على أن لا يخرج عن حدود اللَّه ، فالقرآن يقول : « خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً » « وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ » ، وبذلك يضع الكون بأسره تحت تصرف الإنسان وحرّيته ، ولكنها حرّية محدودة بالحدود التي تجعلها تتفق مع تحرّره الداخلي من عبودية الشهوة وتحرّره الخارجي من عبودية الأصنام ، وأمّا الحرّية العملية في عبادة الشهوة والالتصاق بالأرض ومعانيها والتخلّي عن الحرّية الإنسانية بمعناها الحقيقي ، وأما الحرّية العملية في عبادة الأصنام البشرية والتقرب لها والانسياق وراء مصالحها والتخلّي عن الرسالة الحقيقية الكبرى للإنسان في الحياة ، فهذا ما لا يأذن به الإسلام ؛ لأنّه تحطيم لأعمق معاني الحرّية